المشاركات

هُنا تولَدُ الأحلام ..

من قلب تلك العتمة ينبثقُ النور .. مر زمنٌ طويل لم ألمحهُ حتى خِلتُه سراباً. يبدو الطريقُ طويلاً ، بل قد يكونُ أقربَ للوحشة. متعبٌ حتى ظننتُ أني لن أجدَ منه مخرجاً. ولكنّ الأحلامَ تدفعني للمسير ، و أمنياتُ الأمس باتت أقرب للواقع. حرفٌ واحد سيأتي ليسبقَ اسمي ، ليبعثَ فِيّ روحاً جديدة تتعلّقُ بطرفها أرواحٌ .. و حيواتٌ أخرى . ما الذي يحمِلني على تحقيقِ تلك الأمنيات - وأنا التي لم تكُن كُلّ أمنياتها واقعاً -؟ و من أين أتت الخُطوة الأولى؟ وكيف اخترتُ الطريق ! قضيتُ أياماً كادت أن لا تنتهي بحثاً عن الاجابة. ولكنّه كان اختيار الله أن أكونَ بلسماً ، و قضاءُه بأن يدُلّني على الطريق. كان الشغَفُ يمنعني عن الرحيل رُغم المُرّ الذي كانَ جليّاً ، و عجزِي عن تصوّر نفسي في غير هذا المكان يشُدّ عزمي. قد زرعَ الله في قلبِي حُبه ، حتى بدا لي بأنه المكانُ الوحيدُ الذي خُلقتُ من أجله .. بأنه هو ذاته الحُلمُ و الطريقُ و الوسيلة .. والغايةُ المنشودة من بقائي . ما دُمت تقرأ هذه الكلمات فهذا يعني بأنك تُشاركني تلكَ الأُمنية. بظهركَ الذي باتَ يؤلمُك مِن الجلوسِ ساعاتٍ طوال ، يداكَ التي آلمتكَ من ثِقل...

العَودة

تكادُ أن تكونَ كأول مرة ، ولكنّها تستحقّ أن تكون أفضل. أمّا قبل: إلى أحلامي المركونةِ على الرفّ ، هلُمّي نحو الواقع. إلى نفسي التي ظننتُ أنها لن تقدر ، إلى كل العثرات والخيبات ، إلى كلّ اللحظات التي تملّكها خوفي قبل أن يتملّكني: ها قد حانت البداية مجدداً. يبدو الحديث عنها كالهذيان أمام مرآة ، ككل الأشياء التي لم تُكتَب ولم تُروَ. تبدو رهبَةُ البدايات أمراً لا يُمكنني الفرار منه أبداً. تفصلني أيامٌ عن إحدى بداياتي ، والتي لن تكون الأخيرة. لا أزال أحمل حُلمي على عاتقي وأسير ، وذلك الطريق الذي ظننت أنه لن ينقضي: قد بدأ يُخالف ظنوني. أنا هنا حيث تفصلني أعوامٌ خمسةٌ حتى يسبق اسمي حرفٌ قد قضّ مضجعي طول انتظاره. هنا ، حيث تبداُ الرحلةُ من جديد ، لأكون الصورة الحيّة للشفاء. هنا ، حيث تغيّر الموقِعُ عن النهاية ، و أصبح هناك من يحتذي بخُطاي. نقطة في آخر السطر: حينَ يتوقّف الجميعُ عن المسير و يعتقدون بأنها النهاية: حُثّ المسير ، فعلى الضفّة الأخرى هُنالك من ينتظر.

السنة التحضيرية: طب عام و جراحة - جامعة الملك فيصل

قبولك في كلية الطب يعني وقوفك على أولى عتبات حُلمك ، و كل خطوة من هذا الطريق ترسم الأمل لآلاف المُنتظرين.. مبارك لك وصولك إلى هذه المرحلة. في البداية: - كلية الطب متبعة لنظام جامعة Groningen الهولندية اللي يعتمد بشكل أساسي و كبير جداً على التعلم الذاتي. النظام في الدراسة جميل جداً بالنسبة للناس اللي تحب تقرأ و تبحث من نفسها -أنتم المحظوظين هنا-. - في السنة التحضيرية المواد راح تنقسم بين (مواد من عمادة السنة التحضيرية) و (مواد من كلية الطب). - العام الدراسي في السنة التحضيرية مقسم إلى أربعة أرباع كل ربع عبارة عن 8 أسابيع دراسة بالإضافة إلى الأسبوع التاسع للإختبار. - في كل ربع دراسي راح تنزل لكم 3 مواد كحد أقصى (الجامعة ترتب الجداول فلا تشيلون هم تسجيل المواد مثل التخصصات الثانية) - كطالب أو طالبة طب: أنت مطالب بأنك تجتاز السنة التحضيرية بمعدل لا يقل عن 3.5 من 5 (تعادل جيد مرتفع أو C+ فما فوق). حدود المعدل هذي لا تخلونها تسبب لكم أدنى خوف لأن بشوية اجتهاد و تركيز حتى الـ5 توصلها. - نقطة مهمة أيضاً: كون المعدل يتم تصفيره بعد إنهاء السنة التحضيرية ما يعني إنك تمشي بالبر...

أول اختبارٍ قصير ، حين حلمت بالهاوية!

"لا تفزع حين تبدو لك الأمور بادئةً بالانهيار" كانت النصيحة الأولى التي سمعتها و لم أعلم متى سأستفيدُ منها حتى خرجت بعد الاختبار الأوّل ، و للأسف لم أتذكّرها في ذلك الوقت. أنت هنا ، حيث يفترض بكل الثوابت أن تكون قابلة للتغيير إلا قوّتك. تلك الثوابت تتضمن اعتيادك على رؤية العلامات الكاملة تزيّن جميع وثائقك بدونِ جهدٍ يُذكر. أنت هُنا ، حيثُ لا يُفترضُ بالسوءِ إلا أن يزيدكَ صبراً. ثلاثة ساعاتٍ أقابلُ فيها بعضاً من الأوراق ، أخرجُ و أنا فرحةٌ أرى نفسي بعد أيامٍ قليلة أحدّثُ الجميع عن تلك العلامة التي يحلُم معظمهم بها. كانت تلك هي الفكرةُ المهيمنةُ على الجميعِ في يومِ الاختبار الأول. لكنّ الأمورَ لم تكُن بتلك السهولة أبداً ، لأنّ حلاوةَ الحديثِ عن تلك العلامةِ المميزة تستحقّ الكثير الكثير من العناء. سرتُ طريقاً طويلاً - بدا لي أطولَ من المعتاد - و أنا أُتمتِم كلّ ما حفظتُه كتعويذة. جلستُ على مقعدي و وضعتُ حُلمي عن يميني ، وخَطَطْتُ بشمالي حروفاً مرتجفةً تشبهُ إلى حدّ كبيرٍ حروفَ اسمي. لم ألحظ الساعاتَ و هي تنقضي تباعاً و لا أتذكّر ما فعلته بتلك الأوراق حتّى. ولكنّي أذ...

محاضرة التشريح الأولى "حيثُ انتَظَرتُ الجُثث!"

كنت أظنّ الأمر بالسهولة التالية: أُقبَل في الكلّية ، تُسجّل لي مادّة التشريح ، أدخلُ المعمل لأجدَ الجُثّة ترقد في سلامٍ منتظرةً إيّاي أن أعبث فيها بمبضعٍ - لا أعرف حقيقةً كيفَ سأُمسكه في المستقبل بشمالي - ، ولكن الأمر لم يَكُن كذلك أبداً. في طريقي هذا: حتّى لقاءُ الجثث يتطلّبُ بعضَ العنَاء. بدأتُ أتقبّل الأمر على مَضضٍ و أشكو لجميع من أراه "كيفَ لي أَن أدرس التشريح بلا جُثّة موضوعة أمامي؟". دخلتُ المحاضرة الأولى و فتنَني ذاكَ المنظَر. كطالبٍ لم يسبِق لكَ دخولُ الحرمِ الجامعي يحقّ لك أن تسلبَ قلبك الدهشة حين تنتقل من قاعة لا تتسع إلا لثلاثين مقعداً ، إلى مدرّج تشاركُه مع المِئات. " إذاً أنا هُنا ، مع مائة و ثلاثون طالبة تشاركني حُلمي ، هنا تبدأ الأمور بالوقوع حقيقةً". تملّكتني الثقة بالنفس - وهي نفسها - التي أغفلتني عن رؤية الطبيبِ المُحاضر حين دخوله. وبحكمِ خبرتي في التعامل باللغة الإنجليزية - والتي تجاوزَت مدّتها يوماً و نِصف - كنتُ أعتقد أن الأمور ستكون سهلة - جداً -. لم أدرِ متى بدأت الأمور تتعقّد و متى استُبدِلت الإنجليزية باللاتينية. ولم أعلم هل ك...

اليومُ الأول و المواجهةُ الكبرى..

أمضيتُ اثنا عشرة عاماً لا أستطيعُ تذوّق طعم النوم في يومي الأول من كلّ عام. اثنا عشرة عاماً مضت .. ولكنّي نمت ليلتها قريرة العين. سكَنت قلبي طمأنينةٌ لا حدّ لها حتّى أفزعتني عصافيرُ  الصباح ! عامٌ انقضى و كأنه البارحة ، بل بضعُ سويعاتٍ تفصلني عن كلّ ما حدث. عن يومي الأول و فزعي في البحث عن وِجهتي الأولى. خمس دقائقٍ كانت تفصلني عن التأخيرِ الأول حتى وصلت. ثلاثون وجهاً غريباً يحدّق في تلك الفَزِعةِ المتأخرة و شقراء أمريكية تحيّيني بلكنةٍ لم أعتد استماعها في الصباح. أمضيتُ الساعات الأولى أحاول التصديق بأنني منذُ اليوم لن أسمعَ العربيّة أو أتحدّثها إلا لماماً. و بأن الأوجهَ الغريبةَ الثلاثين ستصبحُ جزءاً من تجربةٍ لا تُنسى أبداً. أبديتُ إعجابي بكل ما يحيطني وقضيتُ اليومَ الأولَ أحملُ في قلبي كلّ الحبّ. نظرتُ كثيراً واستمعتُ أكثرَ إلى أن حانَ وقتُ حديثِي. لمْ أعلم ما الذي يُمكنني أن أقوله عن نفسِي سوى أنني نذرتُ ما عِشتهُ من عُمري وما تبقّى منهُ لأسبقَ اسمي بحرفِ الدالِ تتبعهُ نقطة. منذ اليوم الأول: رأيتُ الدنيا غيرَ الدنيا و الناسَ غير الناسَ ، رأيت أكفّ الدعاءِ التي تح...

كَانَ الطِّبُّ قَدَراً

حين قررت أن أبدأ الكتابة لم أعلم من أي نقطة أستهلّ حديثي .. لأنني وبكل بساطة لم أعرف منذُ متى و أنا أحملُ حلمي على عاتقي و أسير. يبدو الطريق طويلاً جداً و كأنني أخطو فلا أصل أبداً. يبدو متعباً وقوفِي على الحافة. لم أعلم منذ متى و أنا أحلم لكن زمناً طويلاً جداً مضى مُذ توالت إليّ أولى همساتِ أمّي "ستصبحين طبيبة". منذ ذلك الحين و حلمي يقُض مضجعي. يرافق أنفاسي حتى خلته هو الهواء نفسه. قبل عامٍ و أكثر من حديثي هذا زار حُلمي رفيقٌ جديدٌ يُدعى "قلق". ثلاثة آلاف نفسٍ ويزيدون ، كان العدد المتوقع لمن ينافسني الوصول. ثلاثة آلاف خيبةٍ توالت حين وُضعت أمامنا العقبة الأولى. مقياسٌ جديدٌ يقف بيني وبين حُلمي. لم أنسَ أبداً المواجهة الأولى ، الخطوات الخائفة ، وطعمُ الدموع المالحة. عدتُ و أنا أجرّ سرابيل حِدادي. أخبرتُ الجميع يومها "يبدو أن حلمي بعيد جداً و يبدو أن خطواتي لن تنتهي". قضيت ليالٍ طوالٍ و أنا أبتهل إلى الله ، أعلم بأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه ، وأعلم - الآن - بأن الله أحبني جداً بشكلٍ مؤلم. حزمتُ بقايا حُلمي وعزمتُ الرحيل. كنت أقضي أياماً أسأل فيها ...